عبد الملك الثعالبي النيسابوري
392
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
73 - أبو الحسن عمر بن أبي عمر السجزي النوقاني أديب شاعر فقيه ، من حسنات سجستان ، وله غير رحلة واحدة إلى خراسان والعراق في طلب الأدب والعلم . وكان أقام على حضرة الصاحب برهة يستفيد من مجالسها ويقتبس من محاسنها ، وحين استأذنه لمعاودة بلده والتمس الكتاب بالوصاة به . وقع على ظهر رقعته : كنا نؤثر - أطال اللّه تعالى بقاك ! - أن تقيم ولا تريم ، فقد جمعت من آلات الفضل ما يقتضي اصطناعك في خواص الأصحاب : العقل صحيح الطابع ، والدين سليم الباطن ، والعلم غزير المشرع ، والطبع فياض المورد ، سلسال المكرع ، وأما الشعر فرحيب المباءة مشرق المطلع ، كثير البديع ، واسع الخط ، يترقرق فيه ماء القبول . قد صينت جزالته عن صلابة القسوة . وسلاسته عن رقة الركة ، وعمدتا الأدب النحو واللغة ، ولك في كل منهما قدح يجول ، حتى يجلب إليك أعشار الجزول ، وقد استفدت بحمد اللّه من علم الكلام ما يدعى كفاية المتحقق إن لم يكن مذخورة المتلهف ، ولولا ما وراءك من فرض لا يستحل صدك عن أدائه ، ثم إن لسانك رهينة عندنا على إيابك ، لطال تشبث من لدينا من إخوانك بعطفي مقامك ، ففي دعة اللّه وحفظه وبركته وعونه ، ومن يقرأ هذا الجواب وخطي عليه مهيمن ولفظي به شاهد يستغنى به عن لقائه بكتاب فاجعله عصرة المبين وعمدة اليقين . ومن ملح شعره قوله [ من الكامل ] : يا ويح قلبي لا يزال يروعه * ممّن يعزّ عليه وشك فراق تتقاذف البلدان بي فكأنّني * ولّيت أمر مساحة الآفاق وقوله [ من الطويل ] : أبت نفسي الدنيا فأنفس مالها * كتاب أبى إلّا إليه سكونها أصون كتابي عن يد لا تصونه * صيانة نفسي عن أخ لا يصونها وقوله [ من الطويل ] : غلا الشعر في بغداد من بعد رخصه * وإنّي في الحالين باللّه واثق